ابن الجوزي
304
صيد الخاطر
فتأملت السبب مع أن الاعتقاد صحيح والفعل بطيء ، فإذا له ثلاثة أسباب « 1 » : أحدهما رؤية الهوى العاجل ، فان رؤيته تشغل عن الفكر فيما يجنيه . والثاني التسويف بالتوبة . فلو حضر العقل لحذر من آفات التأخير ، فربما هجم الموت ولم تحصل التوبة . والعجب ممن يجوّز سلب روحه قبل مضي ساعة ولا يعمل على الحزم ، غير أن الهوى يطيل الأمد . وقد قال صاحب الشرع صلّى اللّه عليه وسلم : « صل صلاة مودع » وهذا نهاية الدواء لهذا الداء ، فإنه من ظن أنه لا يبقى إلى صلاة أخرى جدّ واجتهد . والثالث رجاء الرحمة ، فيرى العاصي يقول : « ربي رحيم » وينسى أنه شديد العقاب . ولو علم أن رحمته ليست رقة إذ لو كانت كذلك لما ذبح عصفورا ولا آلم طفلا ، وعقابه غير مأمون ، فإنه شرع قطع اليد الشريفة بسرقة خمسة قراريط . فنسأل اللّه عز وجل أن يهب لنا حزما يبت المصالح جزما . 259 - ذم لباس الخيلاء نظرت في قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لما لبس الخاتم ثم رمى به وقال : « شغلني نظري إليكم ونظري اليه » وقوله : « هذا رجل يتبختر في حلته مرجّلا جمّته خسف به الأرض ، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة » ، فرأيت أنه لا ينبغي لأحد أن يلبس ثوبا معجبا ولا شيئا من زينة ، لان ذلك يوجب النظر إلى النفس بعين الاعجاب ، والنفس ينبغي أن تكون ذليلة للخالق . وقد كان قدماء الأحبار في بني إسرائيل يمشون على العصي لئلا يقع منهم بطر في المشي . ولبست أم المؤمنين عائشة رضي اللّه عنها درعا لها فأعجبت به ، فقال لها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه لا ينظر إليك في حالتك هذه » . ولما لبس رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم خميصة لها أعلام قال : « ألهتني هذه عن صلاتي » . وهذا كله يوجب الاعراض عن الزينة وما يحرك إلى الفخر والزهو والعجب . ولهذا حرم الحرير . وأقول على أسباب هذا : ان المرقعات التي يتتوّق « 2 » فيها المتصوفة بالسوارك والتلميع ربما أوجبت زهو الملابس ، إما لحسنها في ذاتها ،
--> ( 1 ) عرض لهذا المعنى في أول الكتاب . ( 2 ) تأنق .